U3F1ZWV6ZTQ3ODk5ODg4MzM1NTlfRnJlZTMwMjE5MzkxNTA0MzM=

البحث العلمي عبر التاريخ، تعرّف على كيفية تطور البحث العلمي تاريخيا؟، وما هي أهم ّمراحل البحث العلمي عبر التاريخ؟

   
    عندما نحاول تتبّع  مراحل ظهور البحث العلمي عبر التاريخ  فإنّنا نلاحظ وجود العديد من المقالات التي تتحدث عن تطور البحث العلمي كرونولوجيّا، فهل هذه هي المراحل الوحيدة المتعارف عليها للبحث العلمي؟، وهل هناك تقسيمات أخرى لتاريخ البحث العلمي؟. هذا ما سنحاول التّعرف عليه سويّا بشكل مبسّط. 


  مقدمة :  

  بداية يمكن تعريف مصطلح" البحث العلمي" أو كما يسمى في اللغة الانجليزية "The scientific research" بالمحاولة الواعية للكشف عن جواهر الأشياء بغية تطوير واقعها، وتتمايز الأمم عن بعضها بعضا بتفاوت قدراتها العقلية ، ونظامها التعليمي الذي يعبر عن نضجها الفكري لاسيما الذي يعتمد على أسلوب الحوار وتشجيع الكفاءات لأنه وحده القادر على الأخذ بزمام المبادرة للإبداع وخلق أساليب وطرق تسهل حياة أفراد مجتمعه والبشرية جمعاء.

 

  وسنتحدّث في هذا المقال عن تاريخ البحث العلمي بدايات بالشعوب البسيطة وصولا إلى الشعوب المتحضرة ثمّ نهاية بالبحث العلمي في العصر الحديث، ثم خاتمة عن أهم ما توصلنا إليه في هذا البحث. 

 

   1- البحث العلمي عبر التاريخ:  

مرّ البحث العلمي عبر التاريخ بمراحل عديدة إلى أن وصل إلينا مستويا،  وتام المعالم في عصرنا الحديث من بين هذه المراحل:

 

    2- بدايات البحث العلمي عند الشعوب البسيطة: 

  تعود بدايات البحث العلمي إلى بدايات وجود الإنسان على هذه البسيطة حيث ارتبط بمحاولة خلافة الله في الأرض، و مما لاشك فيه هو أن القوانين التي يقوم عليها البحث العلمي لم تأت عبثا بل كان ثمرة لمحاولات جاهدة تراوحت بين الصحة والخطأ، وأخرى استفادت من معطيات الحياة اليومية التي أضحت –بفعل تكرارها- خبرات مكتسبة دون إهمال دور المجتمع الذي يغرس في الفرد أفكارا بطريقة لا واعية تعتبر قوانين لا يمكن الحياد عنها.

 

       ولا يمكن إنكار فضل الفلاسفة والمفكرين في التأسيس للبحث العلمي من خلال أفكارهم وأقوالهم لاسيما الذين دعوا إلى أخذ المعارف عن طريقة الملاحظة والتجربة اليومية بعد التأكد من صحتها بدل الاعتماد على تجارب غيرهم التي قد تجانب الصحة والمتصفح لكتب التاريخ سيلاحظ سيطرة الخرافة والتكهنات على عقول البشر وقد تناقلوها بينهم معتبرين إياها هي الحقيقة مع أنها لا تتوافق مع المنطق في الغالب.

 

    وتؤكد الشواهد التاريخية أنّ نمط تفكير الإنسان قد تغير بفضل التجارب المختلفة التي مرت عليه والتي غيرت مسار تفكير العديد من الأمم بفضل القوانين الشرعية التي فرضتها الأديان السماوية أو القوانين الوضعية التي سنتها الحكومات وأنظمة الحكم ناهيك عن تأثير أيام الشدة والرخاء على نفسيات وذهنيات البشر وجعلها أكثر واقعية وعمقا . 

 


    3-البحث العلمي عند الأمم الراقية قديما : 

    غير أنّ بعض الأمم المتحضرة استطاعت وضع منهج للبحث العلمي منذ وقت مبكر تميزّ بطابعه التطبيقي ويكفينا النظر إلى ما خلّفه الفراعنة  أو البابليون أو الإغريق أو اليونان  وغيرهم من الحضارات الآفلة في مجالات عديدة على غرار: الطب، والهندسة، والزراعة ، والكيمياء، والمنطق وغيرها من المجالات المعرفية التي خلفت انجازات مبهرة استعصى على العلماء المعاصرين فكّ شفراتها . وهو ما يؤكد  على إمكانياتهم الذهنية السابقة لعصورهم بمراحل ، والدليل على ذلك أن العديد من العلوم الحديثة استندت في  إرساء قواعدها وسن نظرياتها على أقوال وآراء الفلاسفة والعلماء القدماء الذين نقشت أسماؤهم في كبرى المعاهد بل ونصبت لهم تماثيل أيضا إقرارا بفضلهم على البحث العلمي ويكفينا الوقوف على دور المنهج القياسي والاستدلالي في الحكم على القضايا والحكم على الظواهر الطبيعية.

 

4-البحث العلمي في العصر الوسيط


  اختلف المؤرخون في تحديد إطار زمني محدد لفترة العصور الوسطى نظرا لمعطيات دينية، وسياسية، وعسكرية، وغيرها أثّرت بشكل متباين على مناطق مختلفة من العالم، ففي الوقت الذي كانت أوروبا تعيش عصر الظلام وتقبع تحت حكم الإقطاعيين والكنيسة كان العالم الإسلامي يشهد رخاء اقتصاديا وتطورا حضاريا بشهادة الغرب أنفسهم .

 

   5- البحث العلمي عند المسلمين قديما : 

 

   غير أنّ بعض الأمم المتحضرة استطاعت وضع منهج للبحث العلمي منذ وقت مبكر تميزّ بطابعه التطبيقي ويكفينا النظر إلى ما خلّفه الفراعنة أو البابليون أو الإغريق أو اليونان وغيرهم من الحضارات الآفلة في مجالات عديدة على غرار: الطب، والهندسة، والزراعة ، والكيمياء، والمنطق وغيرها من مجالات العلم والمعرفة التي خلفت انجازات مبهرة استعصى على العلماء المعاصرين فكّ شفراتها وهو ما يؤكد على إمكانياتهم الذهنية السابقة لعصورهم بمراحل .


      وكانت العواصم الإسلامية آنذاك بحق منارة العلم وقبلة العلماء بعد اطلاعهم على مؤلفات الحضارات السابقة، ومزاوجة ذلك مع وصلوا إليه من نتائج تأملاتهم، وأبحاثهم وتجاربهم الشخصية التي اتخذت منهجا علميا، واعتبرت البداية الفعلية للبحث العلمي، ومن أشهر علمائنا العرب في هذه الفترة : ابن الهيثم ، وجابر حيان، ابن سينا ، وابن رشد وغيرهم كثر، وعموما يمكن القول إن تاريخ العصور الوسطى تمتد بين القرنين( 5م-15م). 

 

    وتمكّن الطّلاب الأعاجم الذين تقاطروا على مراكز العلم من نقل معارفهم التي حازوا عليها في مراكز العلم بالبلدان العربية إلى بلدانهم. ولم يكتفوا بالإجازات العلمية بل حملوا معهم الكتب والمخطوطات، وحتى بعض الاختراعات من باب التباهي أو الإعجاب ومحاولة منهم للتعريف بتراثنا العربي لبني جلدتهم على نحو ما يحدث عندنا في عصرنا. 

 

   وعموما فقد أفادت الأجيال اللاحقة من هذه المعارف، والاكتشافات؛ خاصة بعد سقوط الدول الإسلامية تحت براثن الاستعمار لاحقا؛ فنهبوا المكتبات ووضعوا أيديهم على كل شيء قيّم سواء مادي أم معنوي قد يفيدهم في تطوير بحوثهم العلمية، وإنعاش الحركة الفكرية، والحياة الثقافية في بلدانهم. 

 


 

     6-البحث العلمي في العصر الحديث:

 

   يمكن تحديد بداية هذه الفترة منذ القرن السابع عشر الميلادي؛ حيث نضج الذهن الأوروبي على يد علماء ومفكرين يمكن اعتبارهم رواد عصر النهضة على غرار (فرانسيس بيكون)، و(جون ستيوارت ميل) اللّذين دعيا إلى الاعتماد على الملاحظة والتجربة كأساس للبحث العلمي، وشهد هذا العصر ثورة في التجارب العلمية في شتى المجالات كللت بالعديد من النظريات والاكتشافات التي سعت لتسهيل الحياة اليومية واتخذ بعضها بعدا إنسانيا . 

    

   وبزغت نجوم عديدة أضاءت سماء المعرفة وكان لأوروبا وأمريكا الشمالية المساهمة الأكبر من حيث تخريج أفواج من النخب التي سادت العلوم على غرار( غاليلو) في الفيزياء و (إنشتاين ) Einstein في الرياضيات ، و(نابير) Napierمكتشف اللوغارتم Logarithms ، و(فرويد) Freud في علم النفس و(بويل)Boyle عرّاب الكيمياء الحديثة، و(ديكارت)Descartes أبو الفلسفة الحديثة. 

 

   وشهدت العديد من العلوم ازدهارا في هذا العصر حتى أن العديد منها قد أرسيت قواعدها على غرار الجيولوجية والبيولوجية ، ويمم العديد من العلماء جهودهم لاكتشاف الحفريات، والاهتمام بالآثار ممهدين لظهور علوم متخصصة في هذه المجالات بعدما كانت مجرد هوايات، ولذلك أطلق على القرن الثامن عشر بقرن "العلوم الطبيعية".

 

     ودخلت العلوم الإنسانية غمار البحث العلمي عقب العلوم التطبيقية؛ خاصة بعد الاختراعات والانجازات التي شهدها هذا العصر، والتي أثرت في المجتمعات التي تمّ تقسيمها وفقا لما تمتلكه من الأشياء. 

 

   وأصبح البحث العلمي يراعي ما تطلبه المؤسسات العلمية من جامعات، ومراكز بحث التي تعتبر في الآن ذاته الداعم الأساس للبحث العلمي؛ لأنها عقل الأمة والأعلم باحتياجاتها. وفي الوطن العربي ظهرت محاولات محتشمة اهتمت بالبحث العلمي من منظوره الأكاديمي، وقام بعض روادها بترجمة الكتب الأجنبية الرائجة آنذاك .

 

   كما نقل بعض العلماء والمفكرين والأدباء خلاصة تجاربهم من رحلاتهم العلمية إلى أوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية. ولا شك أنّ الاهتمام بالبحث العلمي، والدعوة إلى تطبيق مناهجه كانت من بين أهم ما دعوا إليه كونه اعتباره اللبنة الأساس لتطور، وارتقاء الأمم. غير أن البحث العلمي لم يبلغ المستوى المأمول؛ في وطننا العربي فبعد الطفرة التي أحدثها في الثمانينات قد أصبح اليوم في تراجع مستمر عكس الدول العالم الأول بسبب الحروب والاضطرابات التي خلقتها الحروب وما تبعها من دمار اقتصادي أدى إلى تقهقر المنظومة التعليمية وهو ما أثر بشكل مباشر على البحث العلمي . 

 

     خاتمة : 

 تتزايد الحاجة للبحث العلمي في ظل المستجدات السريعة التي تواجهنا يوميا بشكل دائم ومتواصل ، وتمكن البشر عبر تعاقب العصور على مرّ التاريخ من توظيف مخزونهم المعرفي للربط بين الحقائق الجديدة، والتأكد من مكتسباتهم القديمة إلى أن تمكنوا من وضع أسس للبحث العلمي، وطوّروها شيئا فشيئا حتى غدت قوانين ثابتة تقوم عليها مختلف العلوم، وفتحت الباب للتخصص في شتى حقول المعرفة. و كان دور المسلمين كبيرا في التأصيل للبحث العلمي منذ القدم تنظيرا وتطبيقا.

 

   ويمكن اعتبار الحضارة العربية الإسلامية المنهل الغزير الذي غرفوا منه معارفهم؛ لأنها استطاعت الربط بين علوم الحضارات القديمة والمكتسبات التي توصلوا إليها بعد أن خلصوها من تعقيداتها، ووثنيتها وسكبوها في قالب علمي مصبوغ بأسلوب سهل ومنطقي؛ تستطيع مختلف الأدمغة استيعابه على اختلاف مشاربها، وخلفياتها الدينية والمعرفية ، ذلك بعدما نقلوا المنطلق من البعد الصوري الأرسطي إلى التجربة والقياس.

 

     ناهيك عن أساليبهم المتفرّدة في البحث ؛ حيث أوجدوا لأنفسهم أدوات ومناهج لم تكن معروفة سابقا. ولا شك أننا مدعوون للاهتمام بالبحث العلمي ، ومنحه المكانة التي يستحق لأنّ أحد أسباب التقدم، والتمايز بين الأمم في عصرنا الحالي قائم على أساس تطور البحث العلمي، وهو ما يتأكّد لنا يوميا. 

 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة